محمد فاروق النبهان
222
المدخل إلى علوم القرآن الكريم
ومع هذا فإننا نورد أقوال العلماء في وجوه الإعجاز ، كما أوردها الزركشي في البرهان وهي « 1 » : أولا : الإعجاز بالصرفة : ومعنى الإعجاز بالصرفة أن اللّه تعالى صرف العرب عن معارضته فلم يقدروا على ذلك ، ولولا الصرفة لما أعجزهم القرآن ، ولما أعجزهم أن يأتوا بمثله ، وهذا القول منسوب إلى ابن إسحاق إبراهيم بن سيار النظام ، وهو زعيم الفرقة النظامية ، وأحد أبرز رجال الفكر الاعتزالي ، وكان شيخا للجاحظ ، وتوفي في خلافة المعتصم . وهذا الرأي واضح البطلان ، فاسد المعنى ، لأنه يجعل الإعجاز خارجا عن نطاق القرآن ذاته ، متعلقا بأمر خارجي يتمثل في حفظ القرآن عن طريق صرف العرب عن الإتيان بمثله ، لا لأنهم لا يقدرون على ذلك ، ولكن لأن اللّه أراد ذلك ، وبمقتضى هذا الرأي فإن القدرة على الإتيان بمثل القرآن أمر ممكن من الناحية الواقعية ولكن اللّه صرف العرب عن ذلك ، وهذا الرأي مخالف لظاهر الآية القرآنية في قوله تعالى : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً . والواضح من الآية أن الإعجاز ثابت ولو اجتمع الإنس والجن وتعاونوا على ذلك ، لأن الإعجاز كامن في القرآن نفسه ، ولا يتوقف الإعجاز في أي عصر ، ومبدأ الإعجاز بالصرفة هو إلغاء للإعجاز ، وإلغاء للخصوصية القرآنية ، واعتبار الإعجاز أمرا خارجيا . . ونقل السيوطي عن أبي بكر الباقلاني في كتابه الإعجاز : « وما يبطل القول بالصرفة أنه لو كانت المعارضة ممكنة ، وإنما منع منها الصرفة ، لم يكن الكلام معجزا ، وإنما يكون المنع معجزا فلا يتضمن الكلام فضيلة على غيره في نفسه ، وقال أيضا : وليس هذا بأعجب من قول فريق منهم
--> ( 1 ) انظر البرهان ، ج 2 ، ص 93 .